المقريزي

78

المقفى الكبير

[ زيارة الخضر له ] ثمّ خرج وتزوّج بأمّ قطب الدين محمد ابن القسطلاني « 1 » ، فخرجت عنه يوما لحاجتها ، ثمّ عادت فسمعت عنده في طبقته حسّ رجل فتوقّفت وافتقدت الباب فوجدته مغلقا . فلمّا انقطع الكلام دخلت إليه فإذا هو وحده كما تركته ، فسألته عن ذلك فقال : هو الخضر ، دخل عليّ وفي يده حبّة ، فقال هذه جئتك بها من أرض نجد ، وفيها شفاء مرضك . فقلت : لا أريد [ الشفاء ] اذهب أنت وحبّتك ! لا حاجة لي بها . [ علمه الغيب ] وخرج مرّة إلى بلبيس لزيارة الفقيه عيسى بن قطران راكبا في مجادة « 2 » والوزير جمال الدين عليّ بن أبي المنصور عديله وبقيّة أصحابه يمشون ، وفيهم الفقيه تقيّ الدين أبو الطاهر محمد بن الحسين المحلّيّ ، وكان إذ ذاك فقيرا . فأخذ كرسيّ الشيخ الذي يتوضّأ عليه ، وهو معلّق بساعد المجادة ، وقد وقع محمله على رأسه ، ومشى . فقال الشيخ من المجادة : يا قوم ، أبو الطاهر ، أين هو ؟ قالوا له : يا سيّدي ، يمشي في آخر الجماعة ، وعلى رأسه كرسيّك . فسكت . فلمّا وصلوا بلبيس قال : صبّحوا أبا الطاهر الخطيب ! فتعجّبوا من ذلك ، فتولّى أبو الطاهر خطابة جامع عمرو بن العاص بمصر بعد ذلك بأربعين سنة . وتوجّه أبو الطاهر معه مرّة إلى القدس ، فعبر يوما على مدرسة به ، والفقهاء على بابها . فاستحيى أبو الطاهر من المرور عليهم لحقارته ورثاثة حاله ، فلمّا رجع الشيخ وبات معه إلى الصبح قال له : يا أبا الطاهر امض إلى المدرسة التي عبرت عليها [ ف ] كن بها معيدا ! فعجب من قوله ولم يمكنه إلّا امتثال أمره . وجاء إليها وهو يتوهّم أنّ البوّاب يمنعه من الدخول . فلم يمنعه ، ودخل فوجد المدرّس جالسا وحلقة كبيرة بين يديه . فجاء ليجلس بين اثنين فلم يفسحا له [ 60 ب ] لحقارته . وإذا برجل قد دخل فقطّب المدرّس في وجهه وقام له وأجلسه في مكانه ، فألقى مسألة ، فأجابه أبو طاهر عنها جوابا شافيا ، فأعجب به المدرّس وسأله عن اسمه وولّاه معيدا . وخرج يوما إلى الحمّام على دابّة ، وأبو العبّاس أحمد بن أبي بكر الحرّار آخذ بصريمتها « 3 » ، فلمّا وصل رأس زقاق القناديل وكان يومئذ تسكنه الأساكفة ، وإذا امرأة منحنية تقلب وطاء « 4 » في جانب الطريق ، وفرس في الجانب الآخر ، والزقاق ضيّق . فقال الشيخ : يا أحمد ! قال : نعم . قال : المرأة والفرس سدّا الطريق . قال : نعم . فلمّا وصل إليهما افترقا ، وعبر به . وقيل له - وقد تكاثرت منه رؤية الأشياء وإخباره بها مع كونه ضريرا - عن ذلك ، فقال :

--> ( 1 ) تأتي ترجمته برقم 1784 ومرّت ترجمة أبيه برقم 521 . ( 2 ) قراءة تقريبيّة ، ولم نعرف الكلمة ، وكأنّها تعني هودجا أو مركبا مماثلا . ( 3 ) الصريمة : مقود الدابّة ( دوزي ) . وأبو العبّاس الحرّار مرّت ترجمته برقم 640 . ( 4 ) الوطاء بالفتح والكسر : ما يفترش . ومنحنية : في المخطوط : منحية .